سيرة أبيه محمد بن ابراهيم العلي القصير
ترجمة الجد محمد بن إبراهيم بن علي القصيّر رحمه الله
ترجمة أولية قابلة للزيادة والنقصان
كتبها حفيده:
علي بن إبراهيم القصير
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. أ ما بعد:
فقد طلب منِّ ابن العم مهند بن عبد الرحمن بن عبد الله -ممثل العائلة في أسرة الحمادى- أن أكتب ترجمة للجد محمد بن إبراهيم، وللوالد إبراهيم بن محمد رحمهما الله رحمة واسعة، وهذا الطلب وإن جاء متأخراً إلا أن فكرة تسطير وتخليد سيرتهما كانت حاضرة الذهن منذ زمن ليس بالقريب، ولكن لظروف شتى لم استطع إخراج هذه الفكرة إلى حيز التأليف والكتابة، فرأيت بعد أن طُلبت من ألا مناص من ذلك، فاستعنت بالله وبدأت أحث ما تبقى من معلومات وأخبار وذكريات عالقة في الذهن بعضها مما شافهن بها الجد بنفسه
وحضرته وشهدته وسمعته، وبعضها الآخر مما حدثن به والدي عن والده عليهما رحمة الله، وجزء منها استقيته
من جدتي هيا بنت محمد بن حمود القصير رحمها الله، وكذلك من بعض العمات حفظهن الله.
والحقيقة أن ما سأدونه في هذه الترجمة لا تفي بكل جوانب حياته ولا بكامل تفاصيل أحواله، وإنما
سأقف على شذرات في مولده ونشأته ورحلاته وأبنائه وتجاراته وما كسب، والسبب في ذلك يعود لأمور: أولها: أنن في السابق -إبان حياته رحمه الله- لم يدر بخلدي ولو لحظة واحدة أنن سأكتب ترجمة له،
ولذا فإنن لم أكن استقصي كامل المعلومات ولم استوف إجابات الأسئلة التي طرأت علي الآن وأنا أكتب في ترجمته.
ثانيها: وفاة والدي –رحمه الله- قبل قرابة العشر سنوات، وهو مصدر مهم ومورد عذب يمكن أن يستقى منه الكثير من تفاصيل حياة والده.
ثالثها: ضياع كثير من الأوراق والمستندات الثبوتية والتي تحوي كثيراً من التواريخ والأحداث المهمة، وكان مما فقد وله أهمية بالغة ما كان يسمى سابقاً بـ"التابعية" ورغم أنه لم يوضع له صورة فيها، لما كان معروفاً سابقاً من إعفاء المشايخ والطلاب العلم من الصور، إلا أنها تعد وثيقة مهمة لمعرفة تاريخ مولده –رحمه الله.-
وقد رأيت أن أقسم الترجمة إلى أقسام على النحو التالي: الأول: اسمه وكنيته و مولده ونشأته.
الثاني: أعماله.
الثالث: طلبه للعلم ومشايخه. الرابع: رحلاته.
الخامس: أعماله الدينية.
السادس: مكتبته. السابع: عبادته. الثامن: صفاته.
وكذلك ما يرويه والدي إبراهيم عن
بعض الأخبار التي ذكرها الجد عن والده رحمه الله تعالى،
التاسع:
والده رحمه الله تعالى من أحداث وأمور. العاشر: إخوانه.
الحادي عشر: زوجاته. الثاني عشر: أولاده. الثالث عشر: وفاته.
القسم الأول: كنيته واسمه ومولده ونشأته كنيته واسمه:
يكنى بأبي إبراهيم، واسمه محمد بن إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن علي بن محمد الحميدي.
والده:
إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن علي بن محمد الحميدي –رحمه الله.-
والدته:
منيرة بنت نصار بن علي الغانم –رحمها الله.-
مولده:
ليس هناك ما يثبت تاريخ مولده تحديداً، لا كتابةً ولا سماعاً، ولكن التاريخ التقريبي لمولده من سنة خمس عشرة وثلاثمائة وألف 1315)هـ( وهذا التحديد يرجع إلى سببين:
السبب الأول: أ ن بعض الأعمام كانوا أكبر منه سنّاً، ومنهم خال الوالد عبد الرحمن بن محمد بن
حمود، والعم محمد بن أحمد بن إبراهيم، وقد كان مولدهم تقريباً سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة وألف 1312)هـ(، وهم أكبر من الجد –رحمهم الله جميعاً-
السبب الثاني: أ ن مؤلفكتاب "علماء آل سليم وتلامذتهم" ذكر أ ن الجد من تلاميذ الشيخ محمد بن
عبد الله بن سليم رحمه الله المتوفى سنة ست وعشرين وثلاثمائة وألف 1326)هـ(، والغالب أن الذي يبدأ
بطلب العلم في ذلك الوقت وقبله يكون عمره عشر سنوات فأكثر، والله أعلم.
نشأته:
نشأ الجد بين أحضان والديه، فتر بَّ تربيةً صالحةً على الإيمان، وأداء العبادات، والحرص عليها منذ صغره وشبابه، وكان ملازماً للعبادات، وعاش على الصدق، وحبِّ الخير، والكثير من السجايا والخصال الحميدة.
ولم ا بلغ سن التمييز تلقى القرآن، وج وده، ولا أعلم من قرأ عليه، أو ج ود القرآن على يديه، وإن كان
الق راء الذين كان يُقرأ عليهم في ذلك الوقت معدودين ومعروفين، ومنهم: الشيخ صالح بن محمد الصقعبي،
وكانت له مدرسة قد اشتهرت في ذلك الوقت، وتوارد عليها عدد من الق راء، ولا أدري هل قرأ الجد في هذه المدرسة أو في غيرها، أو حفظ القرآن ودرس في غير بريدة، وإ نما هي معلومات نتوجسها، والعلم عند الله.
وكانوا إذا قرءوا القرآن يتعل مون معه الإملاء، وتجويد الخط، والحساب.
ولما بلغ سن التمييز توفي والده وكان ذلك قبل سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة وألف 1321)هـ(، فتولت تربيته والدته منيرة بنت نصار بن علي الغانم رحمها الله تعالى، ومما يدلُّ على ذلك: الوثيقة التي فيها أ ن علي
بن إبراهيم -وهو أخ للجد محمد بن إبراهيم، وكان وصي والده إبراهيم العلي- و كل عبد العزيز بن سليمان
العجلان ببيع نصيب المصغرين-والمصغرين هم الجد وإخوته الأشقاء عبدالله وسليمان وكذلك أخوهم الغائب
عبدالرحمن- وهذه الوثيقة كتبها صالح بن فرناس1في خمس وعشرين من ذي الحجة سنة إحدى وعشرين
وثلاثمائة وألف 1321/12/25)هـ(، فيظهر من هذه الوثيقة أن إبراهيم العلي قد توفي قبل هذا التاريخ،
وكان الجد محمد حينها في سن التمييز رحمه الله تعالى.
ومما يذكر في نشأته أنه قد كان رحمه الله وإخوانه ومن في طبقتهم ودرجتهم من أبناء عمهم يأتيهم سبيل،
أي: وقف من أوقاف آل محمد أبناء عمومتهم، وخصوصاً عبد الرحمن بن محمد، وآل محمد هم: إبراهيم،
وسليمان، وعبدالرحمن –رحمهم الله- وكانوا يُس مون بـ "العقماء" وقد أنعم الله تعالى عليهم بأملاك من نخيل
وغيرها، وكان عبد الرحمن قد سب ل ثلثه لمصارف الخير، وعلى الأقارب من الورثة، وكان ينال الجد محمد وإخوانه
وبن عمومتهم نصيبهم من هذا السبيل، وهو التمر الذي في الأميه، والصبخة التي بالبصر، والعيش الذي
يأتيهم من مفرحة.2
1 هكذا ورد الاسم في الوثيقة وربما يكون "قرناس." 2 أرض موجودة بأمهات الذيابة حول البكيرية..
القسم الثاني: أعماله
لما قارب البلوغ بدأ –رحمه الله- يمارس أعماله التجارية، وفي الوقت نفسه بدأ بطلب العلم على المشايخ، وكانت المعيشة حينها لم تُبسط كما بُسطت لنا، ولا سيما أ ن والده توفي وهو صغير.
وقد عاش الجد فترة الحربين العالميتين الأولى والثانية، وكانت دول العالم كلها قد تأثرت جراء هذه
الحروب، وكما هو معلوم فإن الحرب العالمية الأولى قد بدأت في 1332/9/5)هـ( الموافق 1914/7/28)م(، وانتهت في 1337/2/8)هـ( الموافق 1918/11/11)م(، أي: أنها استمرت قرابة خمس سنوات، وأ ما الحرب العالمية الثانية فاستمرت ست سنوات، حيث بدأت في 1358/7/17)هـ( الموافق 1939/9/1)م(، وانتهت في 1364/9/25)هـ( الموافق 1945/9/2)م.(
رحلته إلى الكويت للتجارة:
أول الأعمال التي بدأ بها رحلته للتجارة كانت إلى الكويت، حيث امتهن مهنة الغوص ولكنه لم يمكث
طويلًا –وسيأتي الحديث عن هذه الرحلة لاحقاً- وبعد عودته من هذه الرحلة تزوج، وكان زواجه تقريباً في
سنة 1338)هـ( أو 1339)هـ.(
تجارة الإبل:
بعد رجوعه من الكويت بدأ يعمل بتجارة الإبل بيعاً وشراء، ويدلُّ على هذا عدد من الوثائق التي
اطلعت عليها، والتي كانت من ضمن أوراقه ودفاتره التي يكتب فيها الديون، وإنكان يكتب له غيره، ويشهِّد على ذلك، ومن الوثائق التي عثرت عليها:
- أن ه باع بعيراً بخمسة وثمانين ريالًا، منها خمس وأربعون نقداً، وأربعون مؤجلة، قال: شهد على ذلك عبد الله بن سلامة، وشهد به كاتبه عبد الله العلي بن سالم. حرر في )جماد الآخر عام1348هـ.(
- ومنه ما أقر به صالح المصارع بأ ن في ذمته لمحمد بن إبراهيم القصير خمسين ريالًا باقي ثمن الجمل
الأحمر، منهنّ عشرة ريالات حال ة، وأربعون مؤجلة إلى )ذي الحجة/ سنة1349هـ(، شهد على ذلك عبد الله
سليمان بن ناصر، وشهد به وكتبه عبد الرحمن بن صالح الحصان، والله خير شاهداً ووكيلًا. حرر في /1)محرم1349/هـ.(
- ومنه ما أقر به عبد العزيز بن ربيش بأ ن في ذمته لمحمد إبراهيم القصير سبعة وثلاثين ريالًا عوض ناقة، منه ن ثمانية عشر ونصف حال ة، وثمانية عشر ونصف مؤجلة إلى )جماد الأولى/ سنة1350هـ(، شهد بذلك
عبد الله العلي النجم، وشهد به وكتبه عبد الرحمن الصالح الحصان، والله خير شاهداً ووكيلًا. حرر في /8)محرم1350/هـ.(
وعبد الرحمن الصالح الحصان هو جدي من قِبَل الأم، وهذه الوثيقة حُرِّرت قبل أن يتزوج الوالد والدتي بقرابة عشر سنوات.
البيع في الدكان:
وفي سنة 1350)هـ( تقريباً افتتح –رحمه الله- دكانًا بالجردة لبيع الحبوب والتمر، ونحوهما، وربما كان يبيع بيع السلم المعروف عند أهل القصيم بالكَ˚تب، ومن ذلك:
- ما باعه على ابن صعب مائة وأربعين وزنة تمر على عقد البيع، وه ن مؤجلًا، يحلن في )رجب/
سنة1356هـ.( شهد على ذلك محمد الهلال الفدعاني، وشهد به كاتبه عبد العزيز بن محمد المضيان، والله
خير شاهداً. وحرِّر في سنة 1355)هـ.(
- وباع مائة وستين وزنة تمر، يحلن بطلوع )جماد الأولى/ عام1351هـ(، شهد به محمد العلي الدبيخي، وشهد به كاتبه عبد الله العلي بن سالم، وحرر في /5)شوال/ سنة1350هـ.(
- وباع بيع سَلَم حيث س لم للمدين مائة ريال بثلاثين وزنة تمر، يحلن في دخول )جماد الأولى/
عام1351هـ(، شهد على ذلك عبد الله العلي النجم، وشهد به كاتبه عبد الله العلي بن سالم، حرر في
/19)رجب/ عام1350هـ.(
- وأقر صالح بن محمد الحمود القصير -خال الوالد- بمائة واثنتين وأربعين وزنة تمر بثمن خمسة عشر
ريالًا، منها تسعة ونصف مؤجلًا، يحلن في )جماد الآخر/ سنة1351هـ(، شهد على ذلك عبد الله العلي
النجم، وشهد به كاتبه عبد الله العلي بن سالم، حُرِّر في /1)رجب/ سنة1350هـ.(
- وباع إحدى وثمانين وزنة تمر بتسعة ريالات، شهد بذلك عبد العزيز بن حمود القصير، وشهد به
كاتبه عبد الله العلي بن سالم، حرر في سنة 1351)هـ.(
- وفي بعض الوثائق أ ن فلانًا أقر بأ ن في ذمته لمحمد بن إبراهيم القصير عشرة ريالات عوض عيش يحللن
)بذي الحجة/ سنة1350هـ(، وخمسة وثلاثين صاع بر لقيمي بعشرة ريالات، يحلن في )ذي الحجة/
عام1350هـ(، شهد على ذلك محمد السليمان بن حسين، وشهد به كاتبه عبد الله العلي بن سالم، حرر في /29)شوال/ سنة1350هـ.(
العمل في الفلاحة:
كما عمل –رحمه الله- بالفلاحة، فقد عمل فلاحاً في "نخل القصران" الذي بالأميه، وعمله هذا جاء بإلحاح من ولده –والدي رحمه الله- وزوجته الجدة هياء-رحمها الله- حيث طلبا منه أن يزرع ويفلح في "نخل
القصران"، ولم تكن له رغبة بذلك؛ لأ ن حالهكانت مستقيمة حينذاك، حيث يأتيه من السبيل –كما سبق الإشارة إلى ذلك-، كما أنه قد كان يعمل بالتجارة حينها.
وفيما بعد أصبح الوالد رحمه الله تعالى شريكاً له في الفلاحة، ولما بدءا بالفلاحة والقيام بشؤونها خسرا خسارة كبيرة، ولحقتهما الديون، فجلس الوالد رحمه الله تعالى سنة فقط ثم تخلى عن الفلاحة، أما الجد وزوجته فبقيا سنة أخرى.
العمل في المضاربة:
كما زاول التجارة عن طريق المضاربة في ذلك الوقت، وكانوا يسمونها البضاعة أو التبضيع، ويدلُّ على ذلك الأوراق التي فيها العقود مع الممارسين للتجارة، ومنها:
- ما أقر به سليمان بن عبد العزيز الحجيلان أ ن معه لمحمد بن إبراهيم القصير خمسة آلاف ريال بضاعة
على طريق المضاربة، شهد على ذلك عبد الله العبد العزيز النصار، وكتبه على نفسه سليمان العبد العزيز
الحجيلان. حرِّر في /2)صفر/ سنة1381هـ.(
- وكذلك ب ضعه وضارب معه مرة أخرى سليمان بن عبد العزيز الحجيلان بمبلغ أربعة آلاف ريال،
وحرِّرت في 1381/8/8)هـ.(
- كما ب ضعه وضارب معه مرة أخرى، وسل مه ستة آلاف ريال. وحرِّر ذلك في /25)شعبان/
سنة1383هـ.(
- وأيضاً ب ضعه وضارب معه مرة رابعة بخمسة عشر ألف ريال، حرِّر في 1387/5/24)هـ.(
- وكذلك سل م لأحمد إبراهيم العويد خمسة عشر ألف ريال على النصف بينهما، حرِّر في
1391/12/2)هـ.(
القسم الثالث: طلبه للعلم ومشايخه
طلب الجد محمد بن إبراهيم القصير رحمه الله العلمَ منذ وقت مبكر، وتتلمذ على مشايخ بريدة الكبار والمشهورين، ومما يدل على ذلك:
أولا: أن الشيخ صالح بن سليمان العمري ذكره في كتابه "علماء آل سليم وتلامذتهم" في عدد من
المواضع عند ذكره لتلامذة الشيخ المترجم له، ومن ذلك أنه لما ترجم للشيخ محمد بن عبد الله بن سليم المولود
سنة أربعين ومائتين وألف 1240)هـ(، والمتوفى في آخر شهر ذي القعدة عام ست وعشرين وثلاثمائة وألف
1326)هـ( رحمه الله، ذكر الجد كتلميذ له برقم تسعاً وعشرين ومائة (129) في صفحة (48) من الطبعة الثانية.
ثانياا: ولما ترجم للشيخ عبد الله بن محمد بن سليم رحمه الله، والمولود سنة خمس وثمانين ومائتين وألف
1285)هـ(، والمتوفى ضحى اليوم الحادي عشر من شهر محرم لعام إحدى وخمسين وثلاثمائة وألف
/11)محرم1351/هـ(، ع د الجد رحمه الله تعالى من تلامذته برقم إحدى وتسعين ومائتين (291) في صفحة
.(94)
ثالثاا: حين ترجم للشيخ عمر بن محمد بن عبد الله بن سليم رحمه الله، والمولود سنة تسع وتسعين ومائتين
وألف 1299)هـ(، والمتوفى في يوم الاثنين الموافق ستة عشر من شهر ذي الحجة عام اثنتين وستين وثلاثمائة
وألف /16)ذي الحجة1362/هـ( رحمه الله، ذكر الجد برقم إحدى وعشرين وأربعمائة (421) في صفحة
.(160)
رابعاا: تتلمذ على الشيخ محمد بن عبد الله بن حسين أبا الخيل، ولازمه في أواخر عمره، وأطال القراءة عليه، ويعود ذلك إلى أ ن بيت الجد كان قريباً من مسجد الشيخ "مسجد العجيبة" حيث تع ين الشيخ –رحمه الله- إماماً له في سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة وألف 1343)هـ(، والمسجد قد بن على نفقة الشيخ عبد العزيز بن حمود المشيقح أحد رجال بريدة المعروفين في زمانه –رحمه الله.-
كما ذكر صاحب تاريخ أبا الخيل الأستاذ الدكتور محمد بن إبراهيم بن صالح الحسين أبا الخيل في
صفحة (109) من كتابه تلاميذ الشيخ، وع د الجد رحمه الله تعالى منهم، وقد ذكر لي والدي رحمه الله أ ن
والده كان يجلس بعد العشاء مع الشيخ محمد حيث كان يؤلِّف في كتابه الزوائد، ويجلسون بعد العشاء قرابة ساعة أو أكثر، على حسب الحال.
كما أنه –رحمه الله- سافر إلى الرياض ربما في عام 1339)هـ( لطلب العلم، والاستماع لعلمائها والأخذ عنهم والتتلمذ على أيديهم، وكان أبرزهم الشيخ سعد بن عتيق رحمه الله تعالى، وكان قاضي الرياض في وقته.
وقد ذكر الجد أنه لما كان في حلقة الشيخ سعد بن عتيق جاء منادٍ ينادي رافعاً صوته: أين محمد بن إبراهيم القصير؟ فقام وذهب إليه، وإذا معه رسالة أتى بها من أهل زوجته يخبرونه أن ه رُزق بمولود، وهو الوالد إبراهيم بن محمد القصير، وقد كان ذلك في عام 1340)هـ( أو 1341)هـ.(
وبعدما انتهى الشيخ من درسه بعد العصر وكان كفيف البصر رحمه الله، ناداني فلما اقتربت قال: من
أنت؟ قلت له: أنا فلان ابن فلان ابن فلان، قال الشيخ: ما صلة قرابتك بمحمد بن إبراهيم القصير؟ قلت
له: أخي، وأنا سميت عليه، لأن ه ذهب ولم يرجع، والوالد – أي: والده إبراهيم - سم اني عليه، فتعجب.
قال: ثم ألح عل ي بالغداء معه في بيته، ولما جاء من الغد وبعد انتهاء الدرس خرجنا من المسجد وذهبنا إلى بيته، ودخلت معه وليس معنا أحد، فلما جلسنا أتى بذبيحة، فقلت: يا شيخ! لماذا تتكلف؟ فبدأ الشيخ يبكي، وقال: فعلت هذا محبةً لأخيك محمد، وبدأ يعدِّد صفاته ومحاسنه، ثم قال: قابلته ونحن في الحرم حاجين، وسألته أين ستذهب بعد الحج؟ قال: سأذهب إلى اليمن لأتتلمذ على تلاميذ الشوكاني، وذلك بتوصية من شيخهم في الهند صديق حسن خان –رحمه الله- فقلت له: سأذهب معك إن شاء الله ، فاتفقنا على ذلك،
وبعد الانتهاء من الحج جاء إلى الرياض، وبدأنا بالمسير إلى اليمن، فلما خرجنا من الرياض وابتعدنا قليلًا
لحقن مرسول قد أرسلته الوالدة يذكر أنها تقول: قد ح رجت عليك ألا تسافر إلى اليمن، فذكرت له ذلك
وقلت لاب د أن أرجع فرجعت، أ ما أخوك محمد فقد واصل رحلته إلى اليمن.
ومما يذكر في مسيرته لطلب العلم أ ن إبراهيم الصبحاوي رحمه الله -وهو من أسرة الحمادى- قرأ على
الجد رحمه الله القرآن، وج وده عليه، ذكر ذلك الدكتور صالح القريري حيث نقله عن جد زوجته محمد بن عبدالله الناصر البرادي.
القسم الرابع: رحلاته رحلته إلى الكويت:
رحل الجد رحمه الله إلى الكويت لطلب المعيشة، والتجارة والغوص، ولما وصل إلى هناك بحث عن بيت
أخواله "السماعيل" ليمكث عندهم، وبعد أن استقر بدأ بالبحث عن عمل مناسب، فاختار مهنة الغوص،
وقد كان الغوص في ذلك الوقت أكثره في يد الرافضة الشيعة، وكانت طريقتهم أن الشخص إذا نزل البحر
وأحس باختناق أو ضيق النفس يهز الحبل الذي نزل به فيسحب مباشرة، واستمر الجد رحمه الله فترة من الزمن في مهنة الغوص.
وقد حصلت له حادثة أثناء عمله رواها بنفسه فقال: نزلت مرة في البحر ولما شعرت بضيق في النفس
هززت الحبل ليخرجن "النوخذة" كما هو معتاد، ولكنه لم يفعل! وعاودت الهز أكثر من مرة دون استجابة،
حتى رأى أحد الناس الحبل وهو يهتز فقام بإخراجي، وربما أن النوخذة فعل ذلك لما رأى من حرص الجد على تطبيق السنة.
ومما يُذكر عن نزاهته وورعه وتدينه وهو شاب أنه يقول: أول ما وصلت إلى الكويت بدأت أسأل عن
بيت أخوالي السماعيل، فما وجدت أحداً يدلن عليهم، وكانت الكويت في ذلك الوقت بلدة صغيرة، ولم
يكن هناك اتساع عمراني وسكاني، فدخلت –بدون علم- إلى مكان يُمارَس فيه أعمالًا غير مشروعة، وكانت الكويت آنذاك تحت الاحتلال البريطاني، والمستعمر يريد الإفساد في البلد بقدر ما يمكن، فخرجت إلي امرأة،
فقالت: تريد عندنا؟ وأنا أسألها: أين بيت السماعيل؟ فقالت: )تبي تدش بقران(، قلت لها: أنا أريد بيت
السماعيل، فلما أدركت بأنه ما جاء يبحث عما عندها من الفجور، قالت: "روح أنت نجدي!"
وكلمة )قران( كان الوالد يرددها ولا أعرف عنها شيئاً، حتى اطلعت على كتاب "تاريخ مشيخة الزبير
النجدية من النشوء إلى السقوط" تأليف: عبد اللطيف بن ناصر الحميدان، حيث ع رف القران في )ص(38، وقال: )هو عملة إيرانية رائجة في الخليج تساوي قرشين صاغ( تقدر بثمانية قروش رائجة.
رحلته للرياض لطلب العلم وعودته إلى بريدة:
بعد أن مكث في الرياض زمانًا لطلب العلم –كما سبق بيان ذلك- عاد إلى بريدة للبحث عن عمل للتكسب، لا سيما أ ن خلفه زوجة، وابناً قد جاء، فرجع بعدها إلى مدينة بريدة.
رحلته إلى جدة للعلاج:
أصيب –رحمه الله-بماء أبيض في إحدى عينيه، فسافر به والدي إلى مستشفى مغربي في جدة وكان
أميز المستشفيات في المملكة للعيون، فتكفل الوالد بإجراء عملية سحب الماء من عينه، وكانت العمليات
الجراحية في ذلك الوقت عسيرة متعبة، وقد طلب الطبيب بقاؤه في جدة لمعاينته والاطمئنان على نجاح العملية، كما طلب منه ألا يسجد نحواً من أربعين يوماً، وبعد العملية بقي معه والدي في جدة فترة من الزمن ثم عاد إلى الرياض وبقي الجد عند الشيخ محمد بن إبراهيم اليحيى –رحمه الله- وكان يعتن به أشد عناية، وقبيل انتهاء
سيقوله حيال نجاح العملية، وبعد
جدة لمرافقة والده إلى الطبيب ومعرفة ما
الأربعين يوماً رجع والدي إلى
اطمئنانهم عليها، عادا بالطائرة إلى بريدة.
القسم الخامس: أعماله الدينية توليه الإمامة والخطابة في ربيق:
عُيِّن –رحمه الله- بشكل رسمي إماماً وخطيباً للجمعة في هجرة ربيق، ولا يعرف سنة تعيينه تحديداً ولكن
المعروف أنه كان في أوائل السبيعينات الهجرية حتى أوائل الثمانينات، ورُبيق ذكرها الشيخ محمد العبودي في
كتابه: "معجم بلاد القصيم3" فقال عنها: ˚)ربَيق بسكون الراء في أوله جريًا على عادتهم في لهجتهم العامية
في سكون الراء، ثم باء مفتوحة فياء فقاف آخره، بصيغة تصغير "ربق"، والربق في لغتهم العامية هو: العروة
من ع دة عرى تُربط بها البهم برقابها، وهو مورد ماء لجماعة من مطير، أميرهم يقال له: ابن سحمان، وبين
ربيق والربقية السابق ذكرها حوالي ثلاثة أكيال، وهما في واد يقال له: شعيب الربقية، ويقع إلى جهة الجنوب
الغربية من الربقية، وأقرب الأماكن المشهورة إليها من جهة الجنوب أضاخ المشهور قديماً وحديثاً، وبينه وبين
أضاخ قرية أثلة التي سبق ذكرها في حرف الألف، وهي في الجنوب الغربي من القصيم.(
وقد كتب الشيخ فايز العضيلة -وهو من أهل هجرة ربيق ويعمل معلماً في إحدى المدارس الثانوية
فيها- تغريدة موفقة سجل فيها ما يدل على مكانة الجد العلمية وعلى ما تميز به من حسن الخصال وجميل
السجايا، ووثق كلامه بشهادة كبار السن الذين عاصروه –رحمه الله- فقال في تغريدته ما نصه: )هو الشيخ
محمد بن إبراهيم القصير رحمه الله من فقهاء مدينة بريدة، عُيِّن إماماً وخطيباً ومفتياً رسمياً لهجرة ربيق التي تقع
غرب جنوب بريدة بحوالي مائة وثلاثين كيلو متر تقريباً، ولا أعلم عن سنة تعيينه، ولا فترة بقائه في هجرة ربيق،
ولكن عثرت على كتابات بخط يده، بعضها بتاريخ 1376)هـ(، وبعضها في عام 1380)هـ(، وبعضها في
عام 1385)هـ(، وقد تولى الإمامة والخطابة والفتيا في هجرة ربيق فترة طويلة حسب كلام كبار السن في
هجرة ربيق التاريخية، وكان مرجعاً لأهل ربيق وما جاورها في الفتيا، وكتابة الوصايا، وتوثيق الديون، وإثبات
الأملاك الزراعية، وفصل الخصومات، وقسمة التركات، وقضاء حوائج الناس، وكان في تلك الفترة التي قضاها بربيق مثالًا للصدق والإخلاص والتواضع، وسلامة الصدر، مما جعله محبوبًا عند الصغير قبل الكبير رحمه الله رحمة واسعة، وجمع به ووالدينا في مستقر رحمته. تقرير فايز العضيلة في 1439/9/16)هـ(، انتهى كلامه وفقه الله.
وما سطره الشيخ فايز يثبت أ ن الجد رحمه الله عين للإمامة والخطابة بصفة رسمية، وأنه أيضاً كان إلى
جانب ذلك يفتي ويكتب الوصايا ويوثق الديون وإثبات الأملاك الزراعية، ويفصل الخصومات ويقسم التركات
.(1010-1009/3) 3
من العلم والفقه ما يؤهله لأن يقوم بهذه
ويقضي حوائج الناس، وهذا يدلُّ على أ ن لدى الجد –رحمه الله- المهام الجسام.
ومن المسائل الفقهية التي ينقلها أهل ربيق عنه:
-أن أهالي بلدة ربيق كانوا إذا أرادوا التبضع وشراء حاجتهم الغذائية ونحوها يذهبون إلى الرس كونهالأقرب المدن الكبيرة إليهم، وبينها وبين ربيق مسافة ستين كيلًا، فكانوا لا يقصرون الصلاة لكون المسافة أق من مسافة القصر، ولكنه سافر بهم مرة فقصر بهم.4
-أنه لم يقبل خبر المندوب الذي أتى ليخبرهم بأنه قد سمع في "الراديو" أن هلال شوال قد شوهد،.وذلك لما كان يعتقده الناس في ذلك الزمان بأن من يستمع "الراديو" فهو غير عدل ولا يقبل خبره
تولي الإمامة في خب الأميه:
كما تولى الإمامة فترة يسيرة في خب الأميه لما كان يعمل بالزراعة في "نخل القصران"، ولم يستمر لعدم رغبته في الزراعة –كما سبق الإشارة إلى ذلك.-
تولي الإمامة والخطابة في بلدة الخصيبة:
تولى الإمامة والخطابة في بلدة الخصيبة، وهذه البلدة قال عنها الشيخ محمد العبودي في "معجم بلاد
القصيم5" )الخ˚صَي˚بة بإسكان الخاء أوله فصاد مفتوحة فياء ساكنة فباء موحدة، فتاء مربوطة أخيرة تُنطَق هاء، هجرة لقوم من الفردة، أسسها ذعار بن حماد من أمراء الفردة من بن السفر من قبيلة حرب، وتقع في شمال
الأسياح النباج قديماً، سميت خصيبة لوجود شجر يقال له: الخصاب في موضع إحداثها( ومكث في الخصيبة مدة يسيرة، ربما تكون من أربع إلى خمس سنوات فقط.
4 لعل الجد أخذ بالقول الثاني: وهو أن مسافة السفر لا تحدد بمسافة معينة لا زمنية ولا طولية، وإنما المرجع فيها إلى ما تعارف عليه الناس، فما سموه سفراً فهو سفر وما لا فلا، وهذا قول الموفق ابن قدامة وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله، واختيارات شيخ الإسلام رحمه الله كانت تتداول بين فقهاء الحنابلة وأئمة الدعوة النجدية رحمهم الله.
ينظر: البدر السافر في أحكام صلاة المسافر للشيخ عبدالله بن صالح الفوزان )ص.(32
.(915/3) 5
القسم السادس: مكتبته كتبه في أثناء حياته:
كان الجد رحمه الله عنده بعض الكتب في فنون متعددة كالفقه، والتفسير، والحديث، والعقيدة، وهذه
الكتب كانت تتداول بين طلاب العلم في ذلك الوقت، وهي التي تُقرأ على المشايخ في وقتهم.
وقد رأيته بعد صلاة الضحى يطالع في هذه الكتب حتى وقت الأذان، ولم يكن هناك مكان خاص
لهذه الكتب، وإ نما كانت توضع في الرفوف التي بداخل الُحجَر، فتصف وتُـلَف بخرق حتى لا تتأثر كثيراً،
وخصوصاً القرآن الكريم.
كتبه بعد وفاته:
ولما توفي أخذ الكتب الوالد وثم نها وجعلها من التركة، وأتى بها إلى الرياض، وبقيت عنده في بيته، ثم
أتى بها بعض الإخوان من بيت الوالد بمشورته، وأعطوني إياها في بيتي في حي الشفاء، فأخذتها، وكان بعضها متمزقاً من جراء النقل والحرارة.
وقد تم وضعها في مكتبة ابن القيم التابعة لجامع شيخ الإسلام ابن تيمية في حي السويدي، أوقفت
بعض كتبه عندهم، جعلها الله من العلم النافع.
إهداء الشيخ السعدي أحد كتبه له:
ومما أذكره أ ن الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله أهدى إليه كتابًا، وكتب الإهداء على طرته
مذيلًا بإسم الشيخ، وأظن أن ه "اللطائف في التفسير"؛ لأ ن الشيخ –رحمه الله- قد توّسع في إهدائه – فهو مطبوع على نفقته.
أسماء بعض الكتب الموجود في مكتبة الجد:
والمتبقي من مكتبته –رحمه الله- بعض الكتب والقصاصات اليسيرة، وهي الآن عندي في بيتي، منها: -1 "اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم"، لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، بتحقيق
محمد حامد الفقي، والمطبوع على نفقة صاحب السمو الملكي الأمير منصور بن عبد العزيز آل سعود،
والمطبوع عام 1369)هـ(، الموافق 1950)م(، وقد كتب بخطه رحمه الله على طرة الكتاب: وقف منصور بن الإمام عبد العزيز لوجه الله، لشيخ الإسلام أحمد ابن تيمية.
-2 "معارج الألباب في مناهج الحق والصواب"، تأليف العلامة المحقق: الشيخ حسين بن مهدي النعمي اليمن، المتوفى سنة 1187)هـ(، بتحقيق محمد حامد الفقي، الطبعة الأولى عام 1369)هـ(، بتاريخ 1950)م( في مطبعة السنة المحمدية.
-3 "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب"، للشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله، وقد عثرنا
على الكتاب دون غلافه.
-4 قصاصات من تفسير ابن كثير المطبوع بمطبعة عيسى البابي الحلبي.
-5 قصاصات من شرح كشاف القناع عن متن الإقناع، لمنصور بن يوسف البهوتي.
-6 مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، المطبوعة على نفقة الإمام عبد العزيز آل سعود رحمه الله تعالى.
-7 "الحكمة البالغة في خطب الشهور والسنة"، لعبد الله بن حسين المخضوبي، للإمام ابن حجر
العسقلاني رحمه الله، وطُبع بإذن رئيس القضاة بمحكمة مكة المكرمة الشيخ عبد الله بن عمر بن دهيش،
ونشره أسعد بن محمد بن سعيد الحب ال وأولاده.
-8 "جزء من مجموعة الفتاوى"، لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
-9 "مجموعة ثلاث رسائل في مناسك الحج والعمرة: منسك شيخ الإسلام ابن تيمية، ومنسك الإمام الصنعاني، وقصيدة ذكر الحج وبركاته المنسوبة للإمام الصنعاني."
-10 قصاصات من كتاب "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد."
وقد اطلعت على أوراق كتبها رحمه الله بخطِّ يده كخطبة الجمعة لما كان بربيق، ولا أعلم هل كل جمعة
يكتب لها، أو يكتفي بما جاء في كتاب "الحكمة البالغة في خطب الشهور والسنة" للمخضوبي، وكان عنده
أوراق مكتوب عليها اسمه، ومكتوب عليها: إمام وخطيب هجرة ربيق أو بلدة ربيق.
القسم السابع: عبادته الحرص على الصلاة ونوافلها:
أ ما عبادته –رحمه الله- فلا تسأل عنها، فقد شهدت هذا بنفسي وأدركته،كما تذكر الجدة عنه وبعض
الأقارب أنه قد عرف بكثرة التعبد منذ صباه وشبابه، وكان جادًّا كل الجد في العبادة، فمهما حصل من
الظروف لا يتكاسل عن العبادة بأي حال من الأحوال، ومن ذلك: أنه كان يعمل في "نخل القصران" بالأميه، ورغم ما كان يصيبه من مشقة ونصب إلا أن ذلك لم يجعله يتوانى عن قيام الليل وصيام النهار، كما أنه توفي له عدد من الأولاد، بل قد توفي له في أسبوع واحد ولدان، ومع ذلك لم يؤثر ذلك في عبادته.
كما أنه من حرصه –رحمه الله- على العبادة وبخاصة الصلاة أنهكان لا يؤذِّن المؤذن إلا وهو في المسجد فكان يدخل للمسجد قبل الأذان أو في أثناءه، وما رأيته أبداً يتكاسل عن أداء الصلاة في أول وقتها، ولم أره يقضي الصلاة مطلقاً، وكان مكانه دائماً في الروضة خلف الإمام.
وكان شديد الحرص والعناية على أداء السنن الرواتب والنوافل بكافة أنواعها.
أما قيام الليل فمنذ نشأته وشبابه لم يترك قيام الليل، بل كان يقوم الليل، ويقرأ القرآن، ويتهجد، ويصلي، ويطيل في هذا، وكن ا في وقت شبابنا نسهر في بريدة، فإذا اقتربت الساعة الثانية عشرة رجعنا إلى البيت فوجدناه قد استيقظ واستعد لقيام الليل.
الحرص على صيام التطوع والإكثار منه:
كان رحمه الله يصوم الاثنين والخميس، والأيام البيض، وعشر ذي الحجة، وكثيراً من شهر محرم وشعبان، ولم يكن يترك الصوم حتى في السفر، ففي بعض الأحيان يذهب إلى الأميه لخرص النخل ومع ذلك فإنه يصوم دون تردد، وكان إفطاره وسحوره، يسيراً بسيطاً كحال أغلب الناس في ذلك الزمان.
قراءة القرآن:
كان –رحمه الله- يحرص أشد الحرص على قراءة القرآن، ففي غير رمضان كان يختم كل ثلاثة أيام،
وأ ما في رمضان فكان يختم كل يوم، وكان إذا صلى يطيل الصلاة والقراءة، ولكونه كان حافظاً للقرآن كان
من السهل عليه أن يختم في يوم واحد، وإذا ختم كل ثلاثة أيام جمع أهل بيته، ثم دعا بدعاء ختم القرآن كما كان يفعل أنس بن مالك رضي الله عنه، وقد أدركت شيئاً من هذا لما كنت أمكث عنده في العطلة الصيفية، فقد كان يجمعنا ويقول: سأختم، فيدعو بدعاء ختم القرآن، وكنا نؤمِّن على دعائه.
الجلوس للذكر بعد الفجر حتى طلوع الشمس:
كان من عادته –رحمه الله- الجلوس للذكر من بعد صلاة الفجر حتى طلوع الشمس، ولم يكن يفوت
أجر هذه العبادة أبداً، وأذكر في هذا الشأن أنه لما توفي ابنه -عمي عبدالكريم رحمه الله- في الرياض، كان
والدي –رحمه الله- حينها مسافر في رحلة علاجية إلى القاهرة، فذهبت إلى بريدة لآتي بالجد –رحمه الله-،
ولما وصلت بريدة عصراً طلبت من صاحب السيارة أن يأتي غداً بعد صلاة الفجر ليسافر بنا إلى الرياض
واشترطت عليه بعض الشروط منها ألا يدخن، وألا يشغل مسجلًا، وألا يركب معنا أحداً فوافق، فلما سمع
الجد اتفاقنا انزعج من ذلك وقال: يفوتن أجر حج وعمرة تامتين، وكان يرغب أن تبدأ الرحلة بعد طلوع الشمس ليبقى في المسجد قبلها للذكر والصلاة، فبينت له أن الطريق طويل- إذ كان الطريق القديم بين الرياض والقصيم الذي يمر بعدد من بلدان سدير- والجو حار ولابد من الشروع في السفر قبل طلوع الشمس، وبالفعل سافرنا ووصلنا الرياض قبل صلاة الظهر.
جلوسه للذكر بعد العصر حتى غروب الشمس:
وكان إذا صلى العصر جلس يذكر الله ويقرأ القرآن حتى تحين صلاة المغرب وبعد الصلاة يعود لمنزله
لتناول العشاء ثم يعود للمسجد لصلاة العشاء وأداء السنة الراتبة بعدها، وإذاكان صائماً فإن ه يؤتى له بإفطاره
وإفطار الجماعة الذين يصومون معه في المسجد، سواء كان ذلك في صيام الاثنين والخميس، أو صيام الأيام البيض، وبعد صلاة العشاء مباشرة يخلد إلى النوم استعداداً لقيام الليل.
وأذكر أ ن بعض الأقارب جاءوا من الرياض إلى بريدة للسلام عليه، فقلت لهم: تستطيعون السلام عليه في المسجد بعد العصر، فأتيته وأخبرته أن بعض الأقارب أتوا للسلام عليك وسيحضرون للمسجد بعد العصر، فكأن ه امتعض من هذا وقال: سوف يقطعوني عن القراءة والذكر، فجاءوا وجلسوا عنده، وسل موا عليه، وتحدثوا معه ثم غادروا.
والجد -رحمه الله-كان حريصاً على القيام بوظائف الذكر في أوقاتها المخصصة لكل وقت، وكنت أسمعه إذا خرج من بيته إلى المسجد لصلاة الفجر يأتي بالدعاء الخاص بهذا الوقت، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم في قلبي نوراً وفي سمعي نوراً "... والحديث رواه أبو داود وغيره.
حجه وعمرته:
لم يكثر الجد رحمه الله من الحج أو العمرة، ودائماً يستشهد بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: {من
صلى الغداة في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تامة تامة تامة6}، والحديث وإن كان فيه مقال، فبعض العلماء ضع فه، ولكن يوجد منهم من ح سنه، كالشيخ ابن باز والألباني –رحمهم الله جميعاً.-
صدقته:
ومن عبادته أن ه كان كثير الصدقة على قلة ذات اليد، فلا يكاد يسمع عن فقير سواء كان من جيرانه أو من غيرهم، إلا يعطيه ما تجود به نفسه، كما كان يطعم الص وام معه في المسجد أيام الصيام.
كما كان –رحمه الله- يعفو عن المدينين إذا أعسروا ويسقط عنهم ديونهم تخليصاُ لذممهم.
6 أخرجه الترمذي برقم (586) وقال: حسن غريب. وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم .(6346)
القسم الثامن: أبرز الصفات التي تحلى بها التصاف بالصدق وسلامة الصدر:
قال الشيخ فايز العضيلة في تغريدته عن الجد: "وكان في تلك الفترة التي قضاها بربيق مثالًا للصدق
والإخلاص والتواضع وسلامة الصدر، مما جعله محبوبًا عند الصغير قبل الكبير، رحمه الله رحمة واسعة، وجمعنا به ووالدينا في مستقر رحمته. اللهم آمين."
كما كتب عنه تقريراً نقل فيه كلام بعض كبار السن في بلدة ربيق والذين عاصروا الجد رحمه الله، قال
فيه: "تشرفت عصر هذا اليوم بزيارة الشيخ الراوي: عيدي بن عايد المطيري، ضمن حملة الزيارات الميدانية
لكبار السن في هجرة ربيق لجمع بعض المعلومات عن سيرة الشيخ الفقيه: محمد بن إبراهيم القصير، إمام وخطيب جامع ربيق في السبعينات الهجرية، والشيخ عبدي المطيري لمن لا يعرفه يعتبر أكبر العضيلات الموجودين في نجد حالياً، فقد تجاوز المائة من العمر أطال الله في عمره على طاعته، وهذا ملخص اللقاء:
يقول: لأم أرَ في حياتي كلها مثل هذا الشيخ في التقوى والصدق والأمانة والحزم والصبر على الناس،
لأنه كان مسؤولًا عن فصل الخصومات وكتابة الوصايا والأوقاف وإثبات الأملاك الزراعية، ولاشك أن من يتصدر لمثل هذه الأمور العظيمة لابد أن يناله أذى الناس لكنه صبر وكانت العاقبة له.
وقال: كلن يعلم الناس القرآن الكريم في المسجد، وممن تعلم القرآن على يديه: الشيخ والفارس سفر بن حمد المطيري أحد رجالات الملك عبدالعزيز-رحمه الله- والذي شارك معه في معركة الرغامة.
وذكر أنه –رحمه الله- استقال من هجرة ربيق في آخر عهد الملك سعود –رحمه الله-على إثر خلاف
وقع بينه وبين أمير البلدة آنذاك، وقد حزن الناس على رحيل الشيخ حزنًا شديداً، وبكاه الصغير قبل الكبير، والنساء قبل الرجال، كيف لا؟! وقد فقدوا الأب الحاني والمعلم الناصح.
ثم قال الشيخ عبدي في نهاية اللقاء بعبارات تملؤها الحزن وعيون تملؤها الدموع بعد أن تذكر ذلك الزمان وأهله: كان الشيخ محمد القصير المرجع لنا في كل شيء، في الفتيا وفصل الخصومات وتقسيم التركات وكتابة الوصايا والأوقاف وتوثيق الديون والمزارعة والمحاصدة وقضاء حوائج الناس، إلى جانب عمله في الإمامة والخطابة وتعليم الناس أصول القراءة والكتابة.
رحم الله الشيخ محمد بن إبراهيم القصير رحمه الله رحمة واسعة، وجعل ما قدم من الخير في موازين حسناته يوم يلقاه وجمعنا به في مستقر رحمته.
كما ذكر الشيخ فايز وغيره أن ه كان لا يتدخل في شؤون الن اس، أو يتتبع أخبارهم، بل كان معرضاً
عنهم إعراضاً تاماً، وكان منصرفاً تماماً إلى العبادة،كما كان يحب بذل المعروف، والإحسان إلى الآخرين.
صلة الأرحام:
كان رحمه الله حريصاً على صلة الأرحام والأقارب بالذهاب إليهم وزيارتهم والسلام عليهم، كما كان
يدعوهم لضيافتهم في منزله، كما كان يحرص كثيراً على السلام على المشايخ وطلاب العلم وخصوصاً أقرانه، ومن أقاربه الذين كان يحرص على صلتهم أخواله النصار.
وكان خاله عبد الله النصار كفيف البصر، وله دكان بالوسعة في بريدة، وبيته قريب من مسجد الشيخ صالح الخريصي رحمه الله، وقد عرض عليه خاله عبد الله النصار أن يذهب معهم إلى الرياض لحضور زواج ابنه
الكبير عبد العزيز، فوافق على كبر سنه في ذلك الوقت، وكنت حينها مع الوالد في بريدة، فقال لي الوالد:
اذهب مع جدك إلى الرياض لأن ه كبير سن، ويحتاج إلى من يعتن به، وبالفعل وصلنا الرياض وحضرنا مناسبة زواج ابن خاله ومن ثم عدنا مرة أخرى إلى القصيم.
وقد كان العم محمد بن عبدالعزيز العلي –رحمه الله- أمير الشقة في ذلك الوقت يدعو الجد باستمرار
إلى زيارته وضيافته في الشقة، وكان يلبي دعوته ويمكث عنده اليومين والثلاثة.
وللجد مع زيارة الشقة حكايا قديمة، حيث كانت "هيلة الزبن" والدة العم عبدالعزيز العلي تطلب من ابنها إحضار الجد محمد وأخيه عبدالله إلى الشقة حينما كانا صغيرين يتيمين، فيأتيان ويأكلان من التمر، ويقوم الجد بممارسة هوايته في الصيد، إذ كان ماهراً به جداً، وكان يملك بندقية تسمى بـ"أم خمس" وكان قد درب ابنه عبدالكريم عليها –رحمهما الله جميعاً- .
ووما يروى في هذا الشأن أنه قد مرّ سرب طيور في سماء ربيق وحاول أهل ربيق صيدها فلم يفلحوا،
فصادها هو –رحمه الله- وكان ذلك بمحضر أهل ربيق وانبهارهم مما حصل.
القسم التاسع: ما يذكره الجد عن والده وما يذكره الوالد عن الجد
ذكريات الجد عن والده:
مما سمعته عن الجد من والده إبراهيم العلي -رحمهما الله:-
الأول: قال الجد رحمه الله: لما دخلت أقرأ القرآن امتنعت يوماً عن القراءة والذهاب إلى القارئ، فقام
والدي رحمه الله بسحبي مع رجلي من بيتنا إلى بيت القارئ، وكانت الأرض رملية، والأقران يمشون خلفي
ويضحكون، ويتهامسون، وبعدها لا أذكر أنن تأخرت عن القراءة يوماً واحداً.
الثاني: أ ن امرأة كانت تمشي خلف والده وتضربه من الخلف ظناً منها بأنه الرجل الذي تريد، فكانت تضربه ولا يلتفت إليها، وكانت تنادي اسم ذلك الرجل ولا يجيبها ، فل ما تب ين لها أ نها أخطأت، قالت: إبراهيم العلي! فخجلت من صنيعها خجلًا شديداً، وقدمت له الاعتذار، ولم يرد عليها.
ذكريات الوالد عن الجد:
أمَّا ما يذكره والدي عن والده رحمهما الله تعالى فكثير، منها:
- قال والدي-رحمه الله:- ذهبنا مرة أنا وهو إلى عنيزة مشياً على الأقدام للإتيان بحاجة ، فلما ارتفع النهار رجعنا من عنيرة، وإذا برجل من أهل البادية يتبعنا في الطريق، وكلما مشينا سار خلفنا وبين كل حين
وآخر كان ينحرف لقضاء حاجته ثم يعود فيتبعنا حتى تجاوزنا الوادي بقليل، ولما وصلنا منطقة فيها منازل
وسكان ناداه الوالد، وقال له: يا أخ! نحن بيتنا هنا، وقد وصلنا إلى أهلنا، فتفضل معنا، فقلت له –وقد كنت صغير السن- : لا لم نصل للبيت بعد! فالتفت والدي للرجل وقال: هذا صغير ما يدري، فاعتذر الرجل عن الدخول معهم للبيت ومشى، فقال لي والدي: أعلم أننا لم نصل للبيت ولكن خشيت أن يكون هذا الرجل لما رآنا نبيع في عنيزة يطمع بما معنا فيقلتن وتنفجع أنت .
- قال والدي أيضاا: جاء طبيب للعيون نصراني مبشِّ ر -كما تقول الأخبار- اسمه ديم، وكان قد جاء إلى بريدة من عام أربعين، ولا أدري هل كان مستقراً فيها، أو أن ه يتردد بين مدن المملكة، فطلبت من أبي أن يعطين ريالًا لأذهب إلى الطبيب ديم فيعال عين التي انفقأت بسبب الجدري وأنا صغير، فأعطاني الريال، ولما
أتيته لم أجده، فقمت بصرف الريال، وكان أقراني يتعجبون كيف لي أن أحصل على ريال ولا يأخذه من
والدي؛ حيث إنه في ذلك الوقت لا يمكن لأحد ممن هم في سن أن يحصل على مثل هذا المبلغ الكبير في وقته.
ومما يذكره الوالد أيضاا: أن خاله صالح المحمد الحمود –رحمه الله- لما مرض وأدخل المستشفى في بريدة قال له والده: يبدو أن منية خالك قد اقتربت، وذلك لرؤيا رآها فيه، وقصها عليه بقوله: رأيت أنن وخالك صالح دخلنا على أخي عبدالله –وكان متوفياً حينها- فخرجت أنا وبقي خالك عنده –رحمهم الله جميعاً.-
وكذلك مما يذكره الوالد عن والده -رحمهما الله- ففي أواخر الحرب العالمية الثانية كان من آثارها ارتفاع الأسعار مما كان له تأثير بالغ على العالم أجمع، وخصوصاً في البلدان التي دخلها الاقتصادي قليل كبلادنا في ذلك الوقت، حيث وصل كيس السكر سبعمائة ريال، وهو سكر رديء أيضاً، وقد استدان الجد رحمه الله هذا المبلغ من المشيقح وأرهنهم بيته الذي في العجيبة ولم يستطع فك الرهن إلا بعد سنوات.
القسم العاشر: ذكر إخوته وأخواته إخوته الأشقاء:
أمَّا إخوته الأشقاء فهم: عبد الله وهو أكبر منه، ويليه الجد محمد، ثم سليمان الذي مات في شبابه فقد حيث سافر إلى الرياض لطلب العلم، ومات هناك.
إخوته لأب:
أ ما إخوته لأب فهم:
- أخوه علي وهو الأكبر.
- ثم أخوه محمد، وهو الذي طلب الرحلة إلى الهند لطلب العلم، ومن ثم إلى اليمن. - وأخوه عبد الرحمن، -أخواله من الضالع- وقد ذهب مع العقيلات وانقطع خبره. أخواته:
عند تفتيش الوثائق عثرت على ذكر اسم أخت لهم، وقد ورد ذكرها في موضعين، لكن في كلا الموضعين تمزيق، وبقي منه حافة، فقرأت منه: )هـ ي بنت إبراهيم العلي القصير(، فإ ما أن تكون هيا، وهذا هو الأقرب إلى الصواب، وربما تكون هيلة، ولم يأت لها ذكر، لا على لسان الجد، ولا على لسان أبي، وربما أ نها قد ماتت وهي صغيرة، وقد بيع نصيبها في حياتها.
القسم الحادي عشر: زوجاته وأولده تزوَّج الجد رحمه الله ثلاث زوجات وكان له منهن أبناء وبنات: الزوجة الأولى:
هي الجدة هيا بنت محمد بن حمود رحمها الله تعالى، وربما أن ه تزوجها وهي صغيرة، في عام ثمانية وثلاثين
أو قبلها بقليل؛ لأ ن الوالد ولد سنة أربعين أو إحدى وأربعين، وقد أنجبت الجدة رحمها الله أبناء وبنات،
وغالبهم قد ماتوا، ولم يبق للجد من الأبناء والبنات إلا والدي –رحمه الله- وابنتين: هما لولوة ونورة –حفظهما الله- وقد تزوجن وأنجبن.
والذي مات له رحمه الله من الوالدة هيا هم:
- عبد الرحمن، توفي وعمره ثلاث عشرة سنة بمرض الجدري.
- علي، توفي وعمره ثلاث سنوات بمرض الجدري، ومما يُذكر أ ن عبد الرحمن وعلي توفيا في يوم واحد، عبد الرحمن صباحاً، وعلي مساء.
- عبد العزيز، ومات بمرض الجدري أيضاً.
- وبعده عبد العزيز الثاني، وأصيب بمرض الحصبة، وكلاهما عبد العزيز وعبد العزيز الثاني لم يتموا السنة الأولى من ولادتهم.
- إسحاق، وقد توفي بعد الولادة مباشرة.
ومن البنات: لولوة وكان عمرها اثنتي عشرة سنة، وأصيبت بمرض الجدري. - منيرة ومرضت بمرض الحصبة، ولم تكمل السنتين.
-منيرة أخرى وقد مرضت بالجدري، ولم تكمل السنتين أيضاً.
- هيلة، وأصيبت بمرض الحصبة، وعمرها أربع سنوات.
الزوجة الثانية:
هي: محيلة بنت سالم بن مرزوق ، من قبيلة مطير، من بلدة ربيق، ونطلق عليها محيلة المطيرية، وقد
تزوجها الجد في سنة موت الملك عبد العزيز –رحمه الله-، وأنجبت له شريفة، وماتت وعمرها سنتان، وعبد
الكريم رحمه الله، وتوفي بعد بلوغه في قرابة سنة خمسة وتسعين، ولكن الجد كان قد طل ق زوجته محيلة وعمر
العم عبد الكريم رحمه الله ثلاث سنوات.
الزوجة الثالثة:
هي: رقية بنت صالح السعوي، وقد يكون تاريخ الزواج في سنة أربع وثمانين وثلاثمائة وألف 1384)هـ(،
وقد أنجبت له أبناء وبنات، والبنات كلهن أحياء، وه ن منيرة وهيلة، وقد تزوجن وأنجبن، ومن الأبناء الذين
ماتوا وهم من زوجته رقية أربعة: يوسف، وحمود، وعمر، ويوسف كذلك، وكل هؤلاء لم يبلغوا إلا سنتين أو ثلاثًا وربما أقل من ذلك.
فيكون قد مات له من الذكور والإناث خمسة عشر ولداً، وكلهم لم يصلوا سن البلوغ ما عدا عبدالكريم فقد مات بعد بلوغه وكان قد عايش والده فترة من الزمن.
ومما يذكره الوالد والعمات عن صبر وتصبر الجد واحتسابه أولاده عند الله ابتغاء أجره وثوابه وما أعده الله للصابرين شيء عجيب، وكان دائماً يردد الحديث الذي رواه أنس بن مالك –رضي الله عنه- في فضل من مات له أولاد صغار، وهو قول الرسول صلى الله وسلم: "ما من مسلم يموت له ثلاثة لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم" متفق عليه ، وكذا ما ورد عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد لا تمسه النار إلا تحلة قسم" متفق عليه.
القسم الثاني عشر: وفاته حاله في آخر أيامه:
كان الجد قبل وفاته متعباً من جراء وجود احتكاك في الركب، وربما كان بسبب الروماتيزم، وكان حتى
يخفف الألم يقوم بربط ركبتيه، ولم يكن يستطيع الذهاب للمسجد في آخر حياته بسبب ما يعانيه من آلام في
والنوافل، ثم شاخ عقله وبدأت ذاكرته
رجليه أثرت على قدرته على المشي، فكان يصلي في البيت الفرائض بالنقصان شيئاً فشيئاً حتى توفي رحمه الله.
وفاته:
في شهر رمضان من عام 1400)هـ( انتقل الجد –رحمه الله- إلى الرفيق الأعلى، وكان عنده آنذاك الأخ
سليمان وكان صغير السن، والعمة لولوة –حفظها الله- حيث كانت حينها في الرياض، وسافر بها الأخ
سليمان إلى بريدة لزيارة والدها، فوافق أن مات في ذلك الوقت، فاتصل بنا العم عبد الله المحمد )جد أولادي( رحمه الله وأخبرنا بوفاته، فتوجهت أنا والوالد إلى المطار مباشرة، ووجدنا رحلة مغادرة إلى القصيم، وفور وصولنا ذهبنا إلى بيت الجد رحمه الله، وكان بالنفود، فأُخبرنا أن ه تم تغسيله والذهاب به إلى المسجد ولم نكن نعلم أي المساجد سيصلى عليه فيها، فذهبنا إلى الجامع الكبير فلم نجده، ثم ذهبنا إلى مسجد الشيخ صالح الخريصي،
فوجدناهم يصلون التراويح في السطح؛ حيث كان الجو حاراً في فصل الصيف، ورأينا الجد مسجى، فلما
انتهوا من صلاة التراويح صلى عليه الشيخ صالح الخريصي وجماعته، وبعض الأقارب الذين حضروا للصلاة
عليه، منهم العم عبد الله المحمد –رحمه الله- وهو الذي قام بتغسيله، وكذا العم عبد الرحمن المحمد القصير – حفظه الله- وبعض الأقارب الذين لا تحضرني أسماؤهم.
وبعد أن انتهينا من الصلاة عليه حملناه إلى مقبرة الموطأ، ودُفن هناك، وقد مشى الشيخ صالح الخريصي على قدميه من المسجد إلى المقبرة، وكانت قريبة من مسجده وبيته، ووقف على قبره، ودعا له.
وسيأتي إن شاء الله تعريف بالجدة هياء بنت محمد الحمود –رحمها الله- وبالعمات –حفظهن الله- وبالعم عبدالكريم رحمه الله.
هذا ما أمكنن تسطيره عن حياة الجد وما أسعفتن به الذاكرة وما استطعت جمعه من الأقارب وغيرهم ممن عاصره، أسأل الله تعالى أن يتغمده بواسع فضله ورحمته وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته وأن ويجمعنا به ووالدينا وأحبابنا في جنته ومستقر رحمته.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم،،